محمد بن جرير الطبري
155
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هشام بن عبد الملك ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، قال : سافرت إلى مكة ، فكنت أصلي ركعتين ، فلقيني قراء من أهل هذه الناحية ، فقالوا : كيف تصلي ؟ قلت : ركعتين صلاة المسافر ، قالوا : أسنة أو قرآن ؟ قلت : كل ذلك سنة وقرآن ، قلت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، قالوا : إنه كان في حرب قلت : قال الله : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ الفتح : وقال : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فقرأ حتى بلغ : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : أخبرنا يوسف ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي ، قال : سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض ، فكيف نصلي ؟ فأنزل الله : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم انقطع الوحي . فلما كان بعد ذلك بحول ، غزا النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى الظهر ، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه النبي من ظهورهم هلا شددتم عليهم فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها . فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً فنزلت صلاة الخوف . قال أبو جعفر : وهذا تأويل للآية حسن لو لم يكن في الكلام " إذا " ، وإذا تؤذن بانقطاع ما بعدها عن معنى ما قبلها ، ولو لم يكن في الكلام " إذا " كان معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سيف يوسف ، عن أبي روق : إن خفتم أيها المؤمنون أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم ، وكنت فيهم يا محمد ، فأقمت لهم الصلاة ، فلتقم طائفة منهم معك ، الآية . وبعد ، فإن ذلك فيما ذكر في قراءة أبي بن كعب : " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " . حدثني بذلك الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا الثوري ، عن واصل بن حيان ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : " أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " ، ولا يقرأ : " إن خفتم " . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا بكر بن شرود ، عن الثوري ، عن واصل الأحدب ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب أنه قرأ : " أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم " ، قال بكر : وهي في مصحف الإمام عثمان رحمه الله : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا . وهذه القراءة تنبئ على أن قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مواصل قوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ وأن معنى الكلام : وإذا ضربتم في الأرض فإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ، وأن قوله : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ قصة مبتدأة غير قصة هذه الآية . وذلك أن تأويل قراءة أبي هذه التي ذكرناها عنه : " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن لا يفتنكم الذين كفروا " ، فحذفت " لا " لدلالة الكلام عليها ، كما قال جل ثناؤه : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا النساء : بمعنى : أن لا تضلوا . ففيما وصفنا دلالة بينة على فساد التأويل الذي رواه سيف ، عن أبي روق . وقال آخرون : بل هو القصر في السفر صلاة المسافر ، غير أنه إنما أذن جل ثناؤه به للمسافر في حال خوفه من عدو يخشى أن يفتنه في صلاته . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري ، قال : ثنا عبد الكبير بن عبد المجيد ، قال : ثني عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، قال : سمعت أبي أبي بكر ، يقول : سمعت عائشة تقول في السفر صلاة المسافر : أتموا صلاتكم فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر ركعتين ؟ فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب وكان يخاف ، هل تخافون أنتم ؟ . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا ابن أبي فديك ، قال : ثنا ابن أبي ذئب ، عن ابن